السيد نعمة الله الجزائري
46
عقود المرجان في تفسير القرآن
إجراء الريح على وفقها « لَآياتٍ » ؛ أي : دلالات « لِكُلِّ صَبَّارٍ » على مشاقّ التكليف « شَكُورٍ » لنعم اللّه . وإنّما قال ذلك ليدلّ على أنّ الصبر على بلائه والشكر لنعمائه أفضل الطاعات . وقيل : الصبر نصف الإيمان . والشكر نصف الإيمان . واليقين الإيمان كلّه . « 1 » [ 32 ] [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 32 ] وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) « وَإِذا غَشِيَهُمْ » ؛ أي : غشي أصحاب السفن « مَوْجٌ كَالظُّلَلِ » ؛ أي : السحاب في ارتفاعه وتغطيته ما تحته وركوب بعضه على بعض - وقيل : يريد كالجبال - وخافوا الغرق والهلاك ، فأخلصوا الدعاء في هذا الحال . « فَلَمَّا نَجَّاهُمْ » من هول البحر . « فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ » ؛ أي : عدل في الوفاء في البرّ بما عاهد اللّه عليه في البحر من التوحيد له . وقيل : إنّ هذا كان [ سبب ] إسلام عكرمة بن أبي جهل وهو إخلاصهم الدعاء في البحر . وذلك أنّه لمّا فتح مكّة ، آمن رسول اللّه الناس إلّا أربعة نفر قال : اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة ، منهم عكرمة . فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة فقال أهل السفينة : أخلصوا . فإنّ آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ها هنا . فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلّا الإخلاص ، لم ينجني في البرّ غيره . اللّهمّ [ إنّ ] لك [ عليّ ] عهدا ، إن أنت عافيتني ممّا أنا فيه ، أن آتي محمّدا حتى أضع يدي في يده . فلأجدنّه عفوّا كريما . فجاءه فأسلم . وقيل : « فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ » معناه : على طريقة مستقيمة وصلاح من الأمر . « خَتَّارٍ » : غدّار . « كَفُورٍ » للّه في نعمه . « 2 » الظلّة : كلّ ما أظلّك من جبل أو سحاب أو غيرهما . « مُقْتَصِدٌ » ؛ أي : متوسّط في الكفر والظلم خفض من غلوائه وانزجر بعض الانزجار . أو : مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر . يعني أنّ ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قطّ والمقتصد قليل نادر . وقيل : مؤمن قد ثبت على ما عاهد اللّه عليه في البحر . « 3 »
--> ( 1 ) - مجمع البيان 8 / 506 . ( 2 ) - مجمع البيان 8 / 506 - 507 . ( 3 ) - الكشّاف 3 / 503 .